يتصور البعض أن أساس الحضارة قوة عسكرية , ويخال آخر أنه قدرة اقتصادية ويهم آخرون فيقولون العمران والتشييد, وإنما كل ذلك ربما لا يعدوا كونه مظهرا من مظاهر الحضارة , ولك أن تسأل لماذا سقطت حضارات كثيرة بلغت الذروة في العمران والتشييد, أو الهيمنة العسكرية , أو القوة الإقتصادية فلماذا هوت وهال عليها التاريخ التراب؟ هل قصرت في آخر عهدها في عسكريا أو اقتصاديا أو تهاوت صروح أجدادها؟ الحقيقة لم يكن هذا هو السبب!
بل لتجديدها في الظاهر وتركها الإيمان وبناء الإنسان أساس العمران والحضارة, لنسيانها بناء الشخصية الإنسانية المؤمنة. فعمرانهم باقي وشاهد على تقدمهم في الطلاء (المظاهر ) وما من شك أن القصور كان في بناء نفس الإنسان وإرساء قيمه على هدى من الله , ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [سورة النحل: 112 ]
وإني أجزم بأن حضارة كحضارة المصريين القدماء (الفراعنة) لم تكن وثنية ولا شركية بحال من الأحوال إلا ما اعتراها في بعض تاريخها , فالمصريون القدماء لم يكونوا طيلة سبعة آلاف عام يعبدون غير الله, فالإنسان المؤمن هو الذي يدرك قيمة الحياة بحق وينتفع بها , وتعَمَر به البلاد وتُعَمَّر.
ذلك الذي يقيم الأمم وتحيى به , فليس أساس التقدم البترول أو المال والمصانع أو التقنيات الحديثة بل الإنسان نفسه .. , ولا يحافظ على الإنسان إلا منهج الله.
إن الحضارة الحق هي التي تبني الإنسان الذي يعيش بعقلية الإنسان, لا الذي يمشي على رجلين ويعيش بعقلية ذوات الأربع,
إن منحنى التقدم يميل مع ميل القيم لدى النفس الإنسانية ويرتفع إذ ارتفعت, فلو سأل سائل عن سبب الهزيمة في أحد فاقرأ إن شئت ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. [سورة آل عمران: 165 ]
إن أي تطلع للتقدم والرقي دون النظر إلى تكوين الإنسان قوام التقدم وصانعه, لن يجدي. وإن أي حضارة تهتم بالمظاهر على حساب التربية والتكوين السليم لأبنائها لهي حضارة جديرة بأن توصف بأنها حضارة الطلاء والزخرف الزائف. حضارة بويات ودهان ومظاهر يوصف إنسانها أيضا بالتعاسة والشقاء
كتبه الشيخ إسماعيل محمد رفعت
| < السابق | التالي > |
|---|








