التاريخ : 3 من ذي الحجة سنة 1430هـ =20 من نوفمبرسنة 2009م
المكان : مسجد الرحمة بمدينة دارمشتات
الموضوع :تذكير بأمور قبل العيد وتكملة للخطبة السابقة
محاور الخطبة :
المحور الأول: تذكير ببعض الأمور والسنن في عشر ذي الحجة
أ- فضل عشر ذي الحجة
بـ - التكبير بدايته ومدته.
تـ- بيان أن وقت الأضحية موسع.
ثـ - اجتماع العيد والجمعة لا تسقط به الجمعة.
المحور الثاني: تكملة الخطبة السابقة.
المحور الأول:
أ- مسألة العشر من ذي الحجة استوعبتُ الكلام عليها بما فيه الكفاية في الدروس المسائية, وملخص ما جاء عنها في الخطبة هو مقال "خير أيام الله" المنشور على صفحتنا هذه,
بـ - التكبير بدايته ومدته.
التكبير في عيد الأضحى خمسة أيام تبدأ من فجر يوم عرفة وتنتهي بعصر ثالث أيام التشريق.
تـ- بيان أن وقت الأضحية موسع.
الأضحية سنة لا ينبغي أن يفرط فيها القادر عليها. ووقتها موسع من بعد صلاة العيد حتى عصر ثالث أيام التشريق, ويجوز فيها الإنابة والوكالة بشرط أن يكون الوكيل مسلما. وأجاز بعض العلماء وكالة الكتابي في الذبح, وفيها توسعة على الأهل والأصدقاء والفقراء ولصاحبها بكل شعرة فيها حسنة. لذا يحسن بنا ألا نقصر في إحياء هذه الشعيرة.
ثـ - اجتماع العيد والجمعة هل تسقط به الجمعة؟
مسألة اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد, المشهور أن من شهد العيد أغناه عن الجمعة , لكن المحققين من الفقهاء على أن صلاة الجمعة فرض عين لا تسقط لمجرد اجتماع العيد مع الجمعة وأن حكم سقوط الجمعة عمن شهد العيد مختص بمن كان بعيدا عن المدينة التي يقام فيها الجمعة على مسافة فرسخ (4.8كم), ويحصل له مشقة لو حضر العيد ثم عاد إلى مسكنه ليعود مرة أخرى للجمعة أو لو انتظر ليشهد الجمعة فمن كان شأنه كذلك في المشقة فأحد الخطبتين تكفيه, والأولى هو الجمعة لعموم اللفظ القرآني في سماع النداء " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ "
المحور الثاني:
ونأتي الآن على إنهاء ما بدأناه في الجمعة السابقة من بيان نماذج للتأدب في انتقاء الألفاظ:
ومما يصلح أن يكون استهلالا لهذا الموضوع , وذكرته في المنبر ,أن كثيرا ممن يوجهون لي أسأله , يضرب بي المثل في سؤاله, وكأن اللغة ليس فيها ضمير للغائب, فحتى يستطيع التعبير عن سؤاله يقحمني في قصته في دور الجاني دائما!.. فمرة أكون مَن طلق زوجه, ومرة أكون موظف وأنال من مال فيه شبهة, ولم يحرم المستفتون (من هذا النوع) جهاز الكمبيوتر الخاص بي, فقد جاء أحدهم مرة يضرب به المثل ويقول لو أن حاسوبك أصابه فيرس دمر كل البيانات!, وأنا في كل مرة أحتمي بالعياذ بالله.
وما ذاك عن ضيق في مفردات اللغة, ولكن تضييق عليها, لذا كان من الضروري تخصيص متسع في خطابنا لمراعاة اللائق من الكلام والطيب من القول ولنكمل الخطبة السابقة بذكر نماذج للتعبيرات الطيبة, وتأصيلها من القرآن والسنة.
يعجبني قول الصحابي " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم" ويكون النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا عليه, فيجعل نفسه وأهله في ضيافة النبي صلى الله عليه وسلم .فحين أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي في منزله وضيافته وذلك من محاسن التعبير والبيان ,
2- وهذا محاضر نابه يشرح حديثا فيقول في بداية درسه : نحن اليوم بين يدي حديث كذا , فيجعل نفسه وسامعيه ضيوفا بين يدي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل بين أيدينا اليوم حديث كذا , فانتبه لجمال التعبير خاصة إذا سمعتَ الدعاة المتمرسين بارك الله فيهم وفيك
3- , سمعتُ عن خطيب تكلم عن سوء الخاتمة فذكر قصة رجل حضرته الوفاة فذكَّروه بـ" لا إله إلا الله " فحكى الخطيبُ قوله قائلا : أنا كافر بـ" لا إله إلا الله " وكرر ذلك على المنبر , ومعلوم ضرر حكاية الكفر إلا على سبيل التبيين, ولكن اللفظ ثقي على الأذن تمجه ولا تقبله, ثم سمعت محاضرة للشيخ عبد الرحيم الطحان وذكر نفس القصة إلا أنه – بارك الله فيه – عبَّر تعبيرا رقيقا مستخدما أسلوبا أشبه بما يُعرف عند أهل البلاغة بـ " الالتفات " فقال : " .. هو كافر بلا إله إلا الله"
4- وفي رواية لحديث الغامدية مثل هذا روىْ عِمْرَانُ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا زَنَتْ، فَقَالَتْ ذَلِكَ مِرَارًا" فانظر كيف التفت فقال :" إِنَّهَا زَنَتْ " ثم عبَّر عن تأكيد إقرارها بقوله " فَقَالَتْ ذَلِكَ مِرَارًا ,
5- وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَةً ( تَعْنِي ضَرَّةً، فَكَرِهَتْ أَنْ تَقُولَ ضُرَّةً ) هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ لَهَا بِمَا لَمْ يُعْطِ زَوْجِي قَالَ الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ " .
أي تكثرت بأكثر مما عندي وأظهرت لضرتي أنه يعطيني أكثر مما يعطيها إدخالا للغيظ عليها
... قال النووي : معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده ويتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل فهو مذموم كما يذم من لبس ثوبي زور . قال أبو عبيد وآخرون : هو الذي يلبس أهل الزهد والعبادة والورع ومقصوده أن يظهر للناس أنه متصف بتلك الصفة ويظهر من التخشع والزهد أكثر مما في قلبه ، فهذه ثياب زور ورياء ، وقيل هو كمن لبس ثوبين لغيره وأوهم أنهما له انتهى
[عون المعبود شرح سنن أبي داود]
6- سئل العباس : أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : هو أكبر مني ، وأنا ولدت قبله .
وسئل عن ذلك قباث بن أشيم ؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني ، وأنا أسن منه .
7-كان لبعض القضاة جليس أعمى ، وكان إذا أراد أن ينهض يقول : يا غلام ، اذهب مع أبي محمد ، ولا يقول : خذ بيده ، قال : والله ما أخل بها مرة .
8- ومن محاسن الهداية في هذا الباب : أن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران ، فقال لوزيره الفضل بن الربيع : ما هذه ؟ قال عروق الرماح يا أمير المؤمنين ، ولم يقل الخيزران لموافقة اسم أمه . فقد كانت الخيزران أم الرشيد وكانت امرأة صالحة تسارع في فعل الخيرات ولها أوقاف وحبوس.
9-خرج عمر رضي الله عنه يعس المدينة بالليل ، فرأى نارا موقدة في خباء ، فوقف وقال : " يا أهل الضوء " .
وكره أن يقول : يا أهل النار .
10- وسأل عمر رضي الله عنه رجلا عن شيء : " هل كان ؟ " قال : لا .أطال الله بقاءك ، فقال : " قد علمتم فلم تتعلموا ، هلا قلت : لا ، وأطال الله بقاءك ؟ " .
وأصل كل هذا: قوله تعالى : { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا } [سورة الإسراء: 53] فالشيطان ينزغ بينهم إذا كلم بعضهم بعضا بغير التي هي أحسن ، فرب حرب وقودها جثث وهام ، أهاجها القبيح من الكلام .
وفي " الصحيحين " من حديث سهل بن حنيف ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي } وخبثت ولقست وغثت متقاربة المعنى . ولكن كره رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ " الخبث " لبشاعته ، وأرشدهم إلى العدول إلى لفظ هو أحسن منه ، وإن كان بمعناه تعليما للأدب في المنطق ، وإرشادا إلى استعمال الحسن ، وهجر القبيح من الأقوال ، كما أرشدهم إلى ذلك في الأخلاق والأفعال .
ولحكمة جعل الله تعالى عبادته حتى تكون مقبولة ؛ لا بد أن تكون مبرأة من الرفث والفسوق والجدال , على النحو الذي بيناه في الجمعة الماضية لمعاني تلك المصطلحات من كونها مصطلحات عامة تدل على الخروج عن اللائق والذوق المشروع بشكل عام.
فقال جل وعلا " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ " [سورة البقرة: 197] وعلق صلى الله عليه وسلم عظيم ثواب الحج الذي يصبو إليه كلُ حاج على إلتزام الطيب من القول فقال صلى الله عليه وآله و سلم " مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " رواه البخاري وعند مسلم " مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " فيدخل فيه العمرة أيضا.
وقال صلى الله عليه وسلم في شأن الصوم " إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ " رواه البخاري ومسلم
فإذا ما تأدب الصائم لمدة شهر بهذا الأدب أصبح هذا الأدب له سجية بعد رمضان وكذلك الشأن في الحج بل أولى وأكثر لما فيه من اجتماع كبير لكل شرائح المجتمع المسلم ولا تجد تمايزا بين أحد ليُعلم السيد من المسود , فيكون مجال الحج مجالا عمليا نادرا لتوطين النفس على كرم الأخلاق وضبط اللسان.
[مصدر الفكرة والمادة: الفكرة من كتاب زاد الخطيب لإسماعيل محمد رفعت, ومعظم الأمثلة من كتاب: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم ]
كتبها: إسماعيل محمد رفعت
| < السابق | التالي > |
|---|








