الرئيسية خطب المناسبات خطبة: عفة اللسان درس مستفاد من الحج

خطبة: عفة اللسان درس مستفاد من الحج

إرسال إلى صديق طباعة PDF

الاستهلال : بمناسبة حلول أشهر الحج , نقف هذه الوقفة .. لنتعلم من العبادة حقيقتها لا صورتها , فليس الهدف أن يذهب الواحد إلى مكة ليعود بلقب ينادي عليه الناس به, ولكن ليتعود أدب .. والعبادات كلها تربي النفس وتهذب السلوك, وإذا كان هناك دول كبيرة تحار في تنظيم مباراة كرة يحضرها مائة ألف أو ما شابه فما بالك بمدينة كـ "مكة المشرفة" يدخلها خمسة مليون في شهر واحد ليجتمعوا في يوم واحد في مكان واحد على منسك واحد.. لو لم يكن لهؤلاء ضابط من أنفسهم, لما استطاع تنظيمه عتاة الأرض..
مصدر الفكرة : كتاب زاد الخطيب لـ إسماعيل محمد رفعت
محاور الخطبة :
1- العلاقة بين عفة اللسان والحج
2- خطورة ارسال اللسان وعدم ضبطه.
3- العلاج.
التفصيل:
1-العلاقة بين عفة اللسان والحج :
لا شك أن هناك علاقة وثيقة بين عفة اللسان بالنهي عن الجدال والرفث  في الحج  والكلام الطيب الذي هو وصف أهل الجنة الذي هداهم الله تعالى إليه في وقد سجل الله لنا النصح بحفظ اللسان ووصف أهل الجنة بالهداية إلى طيب القول في موضعين من القرآن الكريم كلاهما في سياق الكلام عن الحج
في قوله تعالى " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ " [سورة البقرة: 197] ووصف أهل الجنة في سورة الحج فقال: " وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ " [سورة الحج: 24]
ومعلوم أن الرفث والفسوق والجدال كلها من فعل اللسان
بل إن العلاقة بين مقصود الحج وهوطلب البراءة والمغفرة وبين حفظ اللسان علاقة تلازم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " [متفق عليه] قال ابن حجر : وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق جُرَيْجٍ عَنْ مَنْصُور " مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْت " وَهُوَ يَشْمَل الْحَجّ وَالْعُمْرَة.
أي لم يأت بسيئة ولا معصية ، وأغرب ابن الأعرابي فقال : إن لفظ الفسق لم يسمع في الجاهلية ولا في أشعارهم وإنما هو إسلامي ، وتعقب بأنه كثر استعماله في القرآن وحكايته عمن قبل الإسلام . وقال غيره : أصله انفسقت الرطبة إذا خرجت فسمي الخارج عن الطاعة فاسقا .
قوله : ( رجع كيوم ولدته أمه )
أي بغير ذنب ، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات ،
بيان المقصود من الرفث والفسوق والجدال:
الرفث: الإفحاش بالكلام, 
وَهُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ فِي الصِّيَام " فَإِذَا كَانَ صَوْم أَحَدكُمْ فَلَا يَرْفُث "

والفسوق: الخروج عن حدود الشرع . وهو لا يختص بمعصية معينة ، وإنما خصصه من خصصه,  باعتبار أنه قد أطلق ، على ذلك الفرد اسم الفسوق ، كما قال سبحانه في الذبح للأصنام : { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } [ الأنعام : 145 ] . قال في التنابز : { بِئْسَ الاسم الفسوق } [ الحجرات : 11 ] . وقال صلى الله عليه وسلم في السباب : « سباب المسلم فسوق » ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصي لا يوجب اختصاصه به .
والجدال: مشتق من الجدل ، وهو القتل ، والمراد به هنا : المماراة ، وقيل : السباب ، وقيل : الفخر بالآباء ، والظاهر الأوّل . [الشوكاني: فتح القدير وابن حجر في فتح الباري]
2- خطورة ارسال اللسان وعدم ضبطه:
كم من مشكلات دبت بين المسلمين جراء كلمة هوجاء خرجت   بحكم الطباع الجافة الغليظة, وربما نجى الإنسان من عثرة القدم ولا ينجو من عثرة اللسان
قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
يَموتُ الفَتى مِن عَثرَةٍ بِلسانِهِ         وَلَيسَ يَموتُ المَرءُ مِن عَثرَةِ الرِّجلِ
فَعثرَتُهُ مَن فيهِ تَرمي بِرَأسِهِ            وَعَثرَتهِ بِالرِّجلِ تَبَرا عَل مَهلِ
وقال تعالى: " وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا  "
عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أن عمر اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه ، فقال : ما تصنع يا خليفة رسول الله ؟ فقال : إن هذا أوردني الموارد ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس شيء من الجسد ، إلا وهو يشكو ذرب اللسان " [مسند أبي يعلى الموصلي  - مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه  حديث:‏5] صححه الألباني في صحيح الجامع
3- العلاج:
‏ وفي الحقيقة أن هذا الأمر بالتعود
وأيام الحج أيام صعاب ومتاعب ولو لم يضبط فيها الحاج نفسه لوقع في منافرات ومشادات لا نهاية لها لذا جاء الأمر الكريم بضبط اللسان في الحج وأن ناسا عرفوا بانضباطهم وآخرين عرفو بالدفاشة أو العجرفة أو الجلافة على اختلاف تسميات الناس لها في لهجاتهم الدارجة.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم العلاج " عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنِّي رَجُلٌ ذَرِبُ اللِّسَانِ ، وَإِنَّ عَامَّةَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِي ؟ قَالَ : فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ ؟ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ ، أَوْ قَالَ : فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ  مَرَّةٍ." [السنن الكبرى للنسائي : كتاب عمل اليوم واليلة باب ما يقوله
من كان ذرب اللسان  - حديث:‏9914‏]الذرب هو فساد اللسان وبذاؤه.
وعنده أيضا : وإِنِّي قَدْ خَشِيتُ أَنْ يُدْخِلَنِي لِسَانِيَ النَّارَ ؟
ومما يدل عليه توجيه النبي صلى الله عليه وسلم أن البذاءة نتيجة لكثرة المعاصي, ودواء البذاءة بنزع سببها وهي المعاصي فلذلك جاء الإرشاد النبوي دالا  على الاستغفار الذي يمحو الله به السيئات ويكفر به الخطيات.
وعن أَبَي هُرَيْرَةَ ، قال: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ، مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."

وإذا كان لنا أن نعرض لنموذج سريع فإن بعض الخلفاء جاء بمعلم لولده وبعد شهر  سأل ولده - وفي يده مسواك - ما جمع هذا ؟ قال : محاسنك يا أمير المؤمنين. وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ . 

خطبة :25 من ذي القعدة سنة 1430هـ =13 من نوفمبرسنة 2009م المكان : مسجد الرحمة بمدينة دارمشتات - ألمانيا

                   **** هذه الخطبة تتبع بنماذج لمراعة الذوق واللياقة في الألفاظ والكلام****

الشيخ إسماعيل محمد رفعت

 

تعليقات  

 
0 #1 abu edris 2009-11-24 14:50
جزاك الله خيرا وانفعنا بك . وسؤالنا هو هل يكفر الاستغفار بذاءات اللسان ؟ وهل كثرة الاستغفار تعود اللسان على حسن القول وترك الفاحش منه والبذئ؟
إقتباس
 

أضف تعليق