الرئيسية خطب المناسبات الرسول في ذكرى مولده: ينبوعا فاض بالرحمة صلى الله عليه وآله وسلم

الرسول في ذكرى مولده: ينبوعا فاض بالرحمة صلى الله عليه وآله وسلم

إرسال إلى صديق طباعة PDF

لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجالهلية.. هذه حقيقة فالعارف بحياة الجاهليين وغلظة قلوبهم, لا يخفى عليه  كم المعاناه التي لاقاها الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- في مواجهة الطغيان الجاهلي, في تغيير الباطل المتصور في الأعراف , والقسوة الممثلة في التقاليد بل المكتسبة لوصف الدين, إنها حقا لمعركة حامية, تحمل النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه أعباءها دون معين إلا رب العالمين.
فكثير من شرائع الإسلام حتى في العبادات بما فيها الصلاة, لا يفهم كنهها إلا من ادرك حياة الجاهليين وطبيعة شخصيتهم. لأن الحال التي وصلت إليها البشرية كانت مؤذنة بالدمار الشامل وانقراض الجنس البشري صفة إن لم يكن حقيقة.
إن مجتمعا ظهر فيه وأد البنات (دفنهم أحياء) دون نكير رادع , واستعبد (استرق) البشرُ البشرَ بحكم أعراف وتقاليد جائرة   لهو مجتمع هُيئ لثورات وانحرافات  تودي بالجماعة البشرية حتما .

إن هذا الجورلم يكن قاصرا على أهل الجزيرة العربية باعتبارهم دار بعثته الشريفة صلى الله عليه وسلم , بل كان العالم كله يموج بالضلالات والخزعبلات التي تطال حياة الناس أغلى ما وهب الله عز وجل فتارة يقتل إنسان في أوربا كقربان للأوثان, وهم فرحون بذلك , وتغرق فتاة في نهر النيل بمصر بعد تزيينها في عيد يسمونه وفاء النيل, وقريبا من هذا في آسيا حتى إن فرقا دينية كالبرهمية كان من مبادئها إهزال الجسد وإضعافه لدرجة تجنب الغسل وشرب البول فانتشرت بهذه الدعاوى المريضة أوبئة جسدية وفكرية واعتقادية لم يكن لها من حل إلا بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم.
لذلك فإن المستقرئ للتاريخ يرى بلا منازع أن بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت ينبوعا فاض بالرحمة فكيف كان ذلك؟


الرحمة أبرز صفات الرب وأكثرها استعمالا:

"كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " (الرحمة) التي هي وصف للمولى -عز شأنه- التي وسعت كل شيء، وشملت المؤمن والكافر، والبر والفاجر، واستوعبت الدنيا والآخرة. ويطمع فيها إبليس ويتطلع إليها اليهود ويمد لها النصارى الأعناق, فكتبها الله للمؤمنين برسوله الكريم وقيدها في المتبعين له "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّي" الرحمة التي قرَّب الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه معناها -على طريقته  صلى الله عليه وسلم في الاستفادة من الأحداث والمناسبات فرصا لغرس المبادئ، والمعاني التي يريدها- حين

قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا
[صحيح البخاري  - كتاب الأدب  باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته]

  الجاهليون أنكروا معرفتهم بـ "الرحمن"

 بلغ من قسوة قلوب أهل الجاهلية وغلظ أكبادهم أن أنكروا أن يكون لله اسم "الرحمن" وجعلوا من جملة قوادحهم في نبوته -صلى الله عليه وسلم- عدم معرفتهم بهذا الوصف العظيم لرب العالمين وذلك محض زعمهم الفاسد ،" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا"  [سورة الفرقان :60]
فجاءهم صلى الله عليه وسلم بالرسالة التي تبين أن أبرز أسماء الله الحسنى اسما (الرحمن الرحيم) يقول الشيخ القرضاوي حفظه الله: وهما أشهر الأسماء بعد لفظ الجلالة (الله) والمؤمن كلما تلا كتاب الله أو بدأ سورة منه، افتتحها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في 113 سورة منه  وحسبنا أن يردد هذين الاسمين في صلاته المكتوبة ما لا يقل عن 34 مرة في اليوم فهو كلما أدى ركعة قرأ فاتحة الكتاب "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم *الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" [الفاتحة :1-3] وهي 17 ركعة في الصلوات الخمس المفروضة على المسلم في يومه، فإذا أدى السنن زاد ضعف ذلك، فإذا رغب في النافلة، زاد ما شاء الله أن يزيد.    

الرسول –صلى الله عليه وسلم – مشعل رحمة:
وفضلا عن أن الرحمة وصف جليل للمولى -جل وعلا-  فإنها صفة لنبيه - صلوات الله وسلامه عليه-  وصفه بها القرآن قال تعالى: " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  "[التوبة: 128]
ورسالته كذلك:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " [سورة يونس: 57و58] فالموعظة هي القرآن والرحمة هي النبوة.

وقد غرس الرسول صلوات الله وسلامه عليه الرحمة في نفوس أصحابه كخلق عام لا يقتصر على إخوانه المؤمنين -وإن كان دافع الإيمان المشترك يجعلهم أولى الناس بها- وإنما هو ينبوع يفيض بالرحمة على الناس جميعا. وقد قال رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله . قال : " أفشوا السلام بينكم تحابوا ، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا " قالوا : يا رسول الله كلنا رحيم . قال : " إنه ليس برحمة أحدكم ولكن رحمة العامة رحمة العامة " [ المستدرك على الصحيحين للحاكم  - كتاب البر والصلة حديث:‏7378‏ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . كما صححه الألباني رحمه الله]

أذاع النبي صلى الله عليه وسلم  في أصحابه أن الجنة فتحت أبوابها لبغي سقت كلبا فغفر الله لها،

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ" [صحيح البخاري : كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الغار]

كما أن النار فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.  فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ".. دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا لَا أَطْعَمَتْهَا وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ قَالَ نَافِعٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ خَشِيشِ أَوْ خَشَاشِ الْأَرْضِ " [صحيح البخاري : كتاب الأذان : باب ما يقول بعد التكبير] 


استفاضة الرحمة النبوية في أخلاق الناس
قال قرة بن إياس المزني : يا رسول الله، "إني لآخذ الشاة لأذبحها فأرحمها ، قال : " والشاة إن رحمتها رحمك الله "، رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني.    
رأى عمر بن الخطاب رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها ، فقال له : " ويلك قدها إلى الموت قودا جميلا " [مصنف عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين]  

الرحمة شرط لتولي الوظائف العامة:
عن أبي عثمان النهدي ، قال : استعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا من بني أسد على عمل فجاء يأخذ عهده ، قال : فأتى عمر رضي الله عنه ببعض ولده فقبله ، قال : أتقبل هذا ؟ ما قبلت ولدا قط . فقال عمر : " فأنت بالناس أقل رحمة ، هات عهدنا ، لا تعمل لي عملا أبدا "  [السنن الكبرى للبيهقي  - كتاب السير  باب ما على الوالي من أمر الجيش ]

الرحمة مظهر حضاري:
إذا كان من عادة المغلوب محاكاة الغالب كما يقول ابن خلدون في مقدمته , فإن مفهوم الحضارة كان – من الناحية العملية- قاصرا على العمران والصناعات فأرسى له النبي صلى الله عليه وسلم مفهوما جديدا وهي الأخلاق والرحمة


عن عقبة بن عامر ، أنه " قدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه برأس يناق البطريق فأنكر ذلك ، فقال : يا خليفة رسول الله فإنهم يفعلون ذلك بنا ، قال : " فاستنان بفارس والروم ؟ لا تحمل إلي رأس ، فإنما يكفي الكتاب والخبر " [سنن سعيد بن منصور:كتاب الجهاد : باب ما جاء في حمل الرءوس].

إن ممارسة الفاتح المسلم للرحمة جعلتها مظهرا حضاريا لم يعرفه الناس من قبل " الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون قال: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب "


يروي المؤرخون أن عمرو بن العاص في فتح مصر نزلت حمامة بفسطاطه (خيمته) فاتخذت من أعلاه عُشًّا، وحين أراد عمرو الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويضه، فتركه وتكاثر العمران من حوله، فكانت مدينة "الفسطاط"


إنه القائل لجنوده " ولا أعلمن رجلا قد أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا أني معترض الخيل كاعتراض الرجال؛ فمن أهزل فرسه من غير علة حططته من فريضته قدر ذلك؛ " [النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي]  

ومما يروى عن عمر بن عبد العزيز عن عمرو بن قيس السكوني ، قال : سمعت عمر بن عبد العزيز ، " ينهى عن ركض الفرس ، إلا في حق " [سنن سعيد بن منصور  - كتاب الجهاد باب إكرام الخيل والقيام عليها]  وبذلك لا تتخذ العجماوات في أنواع المفاخرات والمخيلات الزائفة
 وأنه كتب إلى صاحب السكك ألا يلجمواها بلجام ثقيل، "نهى (رجل) البريد أن يجعل في طرف السوط حديدة أن ينخس بها الدابة" [مصنف ابن أبي شيبة : كتاب الجهاد: باب ما قالوا في السير وترك السرعة ومن كان يحب الساقة  وكتب إلى واليه بمصر: إنه بلغني أن بمصر إبلا نقالات يحمل على البعير منها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا، فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل. هل سمع التاريخ الحديث أو القديم بظهير ملكي أو مرسوم سلطاني خاص بالحيوانات قبل هذا؟!

والعقل والمصلحة الشرعية يقضيان بألا ينصرف المسلمون عن القيم التي بعث الله النبي ليتم مكارمها , ونجلس للتراشق في حكم الاحتفال بالمولد


ومن صفات المؤمنين في القرآن: "وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ" [سورة البلد:17].

خطبة الجمعة 5ربيع الأول سنة 1431هـ 19 فبرايرسنة 2010م بالمركز الإسلامي بمدينة نورنبيرج ألمانيا الشيخ إسماعيل محمد رفعت

 

تعليقات  

 
0 #1 عمر أحمد مليجي 2010-02-27 12:21
بارك الله فيك يا شيخنا وزادك علما ومعرفة وصحة ويقين على هذا الفيض الكريم في تبصير الامة بمنهج خير الاولين والسراج المنير محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعله الله في ميزان اعمالك يوم الدين ولا يسعني الا ان اقول (هذا هو المختار والبدر الذي ...كل البدور خضعن تحت هلاله...ما إن له في العالمين مماثل كلا ولافي الكون من اشكاله ...صلوا عليه وآله
إقتباس
 

أضف تعليق