الرئيسية الحج أحوال الصادقين في عرفة لابن رجب

أحوال الصادقين في عرفة لابن رجب

إرسال إلى صديق طباعة PDF

اليوم يقف إخوانكم بعرفة; فهنيئا لمن جأر إلى الله بقلب محترق, و دمع مستبق,

فكم في أهل الموقف من خائف, أزعجه الخوف و أقلقه, و محب ألهبه الشوق و أحرقه, و راجِ أحسن الظن بوعد الله و صدقه, و تائب نصح لله في التوبة و صدَقه, وهارب لجأ إلى باب الله و طرقه, فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله و أعتقه, و من أسير للأوزار فكه و أطلقه, و حينئذ يطلع عليهم أرحم الرحماء, و يباهي بجمعهم أهل السماء, ويدنو ثم يقول : ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان, و أعطاهم نهاية سؤلهم الرحمن, و هو الذي أعطى و منع و وصل وقطع,

وبين خوف ورجاء كانت أحوال الصادقين في وقفة عرفة تتنوع فمنهم: من غلب عليه الخوف ومنهم من غلب عليه الحياء

وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير و بكر المزني بعرفة فقال أحدهم : اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي و قال الآخر : ما أشرفه من موقف و أرجاه لأهله لولا أني فيهم

وقف الفضيل بعرفة و الناس يدعون و هو يبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه و بين الدعاء فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء و قال : و اسوأتاه منك و إن عفوت و قال الفضيل أيضا لشعيب بن حرب بالموسم : إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحد شرا مني و منك فبئس ما ظننت

وقف بعض الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس فنادى الأمان!! فقد دنا الإنصراف فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين
و إني من خوفكم و الرجا ... أرى الموت و العيش منكم عيانا
 فمنوا على تائب خائف ... أتاكم ينادي الأمان الأمانا
إذا طلب الأسير من الملك الكريم أمنه أمَّنه
  الأمان الأمان وزري ثقيل ... و ذنوبي إذا عددن تطول
  أوبقتني و أوثقتني ذنوبي ... فترى لي إلى الخلاص سبيل 
وقف بعض الخائفين بعرفة فمنعه الحياء من الدعاء فقيل له : لم لا تدعو ؟ فقال : ثم وحشة فقيل له : هذا يوم العفو عن الذنوب فبسط يديه و وقع ميتا
وقف بعض الخائفين بعرفات و قال : إلهي الناس يتقربون إليك بالبدن و أنا أتقرب إليك بنفسي ثم خر ميتا
ما يرضى المحبون لمحبوبهم بإراقة دماء الهديا و إنما يهدون له الأرواحا

ومن العارفين من إن بالموقف يتعلق بأذيال الرجاء

قال ابن المبارك : جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة و هو جاث على ركبتيه و عيناه تهملان فقلت له : من أسوأ هذا الجمع حالا ؟ قال : الذي يظن أن الله لا يغفر لهم

وروي عن الفضيل أنه نظر إلى تسبيح الناس و بكائهم عشية عرفة فقال : أرأيتم لو أن هؤلاء ساروا إلى رجل فسألوا دانقا ـ يعني سدس درهم ـ أكان يردهم قالوا : لا قال : و الله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق
 و إني لأدعو الله أطلب عفوه ...      و اعلم أن الله يعفو و يغفر 
 لئن أعظم الناس الذنوب فإنها ...    و إن عظمت في رحمة الله تصغر 

بتصرف لابن رجب الحنبلي

إسماعيل محمد رفعت

 

أضف تعليق