التاريخ 4 شوال 1429هـ = 3 أكتوبر 2008م مسجد الرحمة بمدينة دارمشتات
الاستهلال: أبدى الصحابة رضي الله عنهم للتاريخ تجربة تحول عظمى , تحول بكل ما تقتضيه الكلمة من معان. تحول في الفكر والسلوك بعد التحول في الإيمان والاعتقاد, زما أعرف لهذا التحول سرا إلا ذلك الإيمان العميق بالقرآن كتاب هذاية ورشد من عند الله.
1- تعريف القرءان الناس بالقرءان
2- عالم ما قبل الإسلام أشبه ما يكون بعالم الحيوان في الغاب
3- الظلام تحول إلى نور
4- الصحابـة الكرام والقرآن الكريم
5- نماذج تطبيقية
مصدر فكرة: (كتاب: أثر القرآن على منهج التفكير النقدي عند ابن تيمية د. محمود السعيد الكردي).
1- تعريف القرءان الناس بالقرءان
عَرَّف القرآن بنفسه أول نزوله لأهل الأرض في عدة مواطن منه: قال تعالى: "وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ" (الأنعـام:و156155).
وقال تعالى: " قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " (سورة طه:123و 124).
وقال تعالى: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (المائدة: 15- 16).
وقال تعالى:"الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" (إبراهيم1- 2).
وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} (الشورى:52).
2- عالم ما قبل الإسلام أشبه ما يكون بعالم الحيوان في الغاب
عاش جيل الصحابة في ظروف لم تكن في ظاهرها صالحة على أن تجعل منهم ما آلوا إليه.
قال جعفر بن أبي طالب: "كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف" (رجال حول الرسول ص 269).
وقول زهير:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم و من لا يظلم الناس يظلم
وقال عمرو بن أم كلثوم
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا
إذا بلغ الفطام منا رضيـــــــعا تخر له الجبابر ساجديـــنا
يهولك أنهم كمجتمع، لم يكونوا قد حققوا بعد الصفات اللازمة لقيام مجتمع ... قبائل متنافرة ... متصارعة... وكقوة لم يكونوا شيئا مذكورا... لم تكن لهم معايير للفضيلة، ولا موازين للأخلاق، ولا مقاييس للخير والشر.
3- الظلام تحول إلى نور
ما الذي حدث؟ الظلام تحول إلى نور...لا أصنام ولا أوثان..إنما الله إله واحد... الفوضى تتحول إلى نظام والضعف يتحول إلى قوة، والضياع يصير منعة... والمهانة تصبح عظمة... والجهالة تضحى معرفة... إنه القرآن..."وسر القرآن التوحيد" على حد تعبير الإمام ابن تيمية،
الصحابـة الكرام وهداية والقرآن الكريم:
أ- النبع الأول: قال سيد الظموشي السيوطي رحمه الله: "كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن، القرآن وحده، فما كان حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم وهديه إلا أثراً من آثار ذلك النبع".
لتصبح نفوسهم خالصة له وحده، ويستقيموا على منهجه،
تلهف وحرص الصحابة رضي الله عنهم علي تتبع الوحي
ومن هنا توثق الصحابة بالقرآن إلى درجة أنهم كانوا يتتبعون الوحي، بتلهف وحرص على الشموخ، في مدارج المعرفة بالله، والتوجه إليه سبحانه، ولم يكونوا يلتفتون إلى غير القرآن في تزكية نفوسهم، وتدينهم، حكى عمر قصة ارتباطه بالقرآن، فقال: (كان لي جار من الأنصار؟، فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فينزل يوما، فيأتي بخبر الوحي وغيره).
عن مسروق، قال: قال عبد الله ابن مسعود: (والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته).
وظلت هذه القلوب موصولة بنور الله، تحن إليه، وحسبنا التذكير بحديث أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر رضي الله عنه ، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمر رضي الله عنه: (انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يزورها فلما انتهيا إليها، بكت: فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه و سلم ، فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه و سلم ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها) مسلم.
وما ذلك إلا استجابة لتوجيه القرآن الكريم نفسه: قال الله عز وجل: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}. وكان أبو بكر لارتباطه بالقرآن وحبه له لا يؤثر عليه شيئا فقد روت السيدة عائشة أنه لما اشتد به المرض تمثلت بقول حاتم:
لعمري ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليها الصديق كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}.
أما تفاعل عمر وتعلقه بالقرآن، فحدث ولا حرج، فهو الذي آمن لسماعه آيات من القرآن تتلى في بيت أخته فاطمة، كان رضي الله عنه إذا دخل بيته شهر المصحف فقرأ فيه...وكان رضي الله عنه إذا قابل أبا موسى الأشعري -وكان حسن الصوت- قال له ذكرنا ربنا- وفي رواية شوقنا إلى ربنا).
وربما وجد نفسه يحلق في مضمون الآيات فلا يملك نفسه من التأثر والبكاء، فعن عبد الله بن شداد قال سمعت نشيج عمر رضي الله عنه وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح وهو يقرأ سورة يوسف حتى بلغ : {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}.
إن القرآن الكريم، كان الباب المفتوح والمباشر الذي ولجه الصحابة الكرام إلى ملكوت الله، حيث صنعوا على عين الله، إنه السبب الوثيق الذي تعلقت به قلوبهم، وفي الحديث الصحيح: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" (رواه أحمد والترميذي).
حبهم للقرآن وارتباطهم به وتأثرهم لم يكن إلا ثمرة من الثمرات الناتجة عن الكيفية التي استقبلوا بها القرآن وتعاملوا معه.
ب- التلقي للتنفيذ: يقول سيد الموشي السيوطي رحمه الله: "إن الجيل الأول كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، والحياة التي يحيا هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان (الأمر اليومي) ليعمل به فور تلقيه ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة".
قال أبو عبد الرحمن السلمى: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه و سلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا).
وقال أنس: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا" (البخاري ومسلم). لأنهم أدركوا أن تلقيه دون تنفيذه تصبح آياته عليهم...
إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه: {ألا لعنة الله على الظالمين} وهو ظالم {ألا لعنة الله على الكاذبين} وهو منهم، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "أنزل القرآن ليعملوا به... وأضاف: إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به".
وعن ابن عمر قال: "كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في صدر هذه الأمة، لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن...".
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلمكم حتى تعملوا". ذكره القرطبي في مقدمة تفسيره ج1 (34-35).
نماذج واضحة لتأثير القرآن في أنفس الصحابة، كيف كانوا يتلقونه بعقولهم وقلوبهم وإرادتهم؟
النوذج الأول:
يبرز ذلك من تأثير سورة الزلزلة، وبخاصة الآيتين (7- 8) {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}.
عن أسماء رضي الله عنها قالت: بينما أبو بكر رضي الله عنه يتغذى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ، إذ نزلت هذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}، فأمسك أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله: أكل ما علمناه من سوء رأيناه؟ فقال " ما ترون مما تكرهون فذاك ما تجزون به، ويدخر الخير لأهله في الآخرة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء، وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: أنزلت: {إذا زلزلت الأرض زلزالها}، وأبو بكر رضي الله عنه قاعد فبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: تبكيني هذه السورة فقال صلى الله عليه و سلم: "لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم".
عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقرأ عليه: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}، فقال: حسبي، لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها).
وأخرج عبد بن حيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عائشة رضي الله عنها جاءها سائل فسأل، فأمرت له بثمرة، فقال قائل: يا أم المومنين إنكم لتصدقون بالثمرة؟ قالت: نعم والله...أو ليس فيه مثاقيل ذر كثير؟
نموذج ثاني:
آيــة: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (أل عمران: 92).
ذكر ابن كثير في تفسيره عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الناس بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء)- اسم حديقة له- وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه و سلم يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال أبو طلحة: يا رسول الله! إن الله يقول : {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب أموالي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : "بخ بخ ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، (أحمد والشيخان كما ذكر المفسر)، وفي الصحيحين: أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال : حبس الأصل، وسبل الثمرة.
النموذج الثالث: موقف المسلمات الأول من تبرج الجاهلية,
{ وليضربن بخمورهن على جيوبهن} (النور: 31).
موقف النساء المسلمات الأول مما حرم الله عليهن من تبرج الجاهلية، وما أوجب عليهن من الاحتشام والتستر وهنا تروي لنا أم المومنين عائشة رضي الله عنها كيف استقبل نساء المهاجرين والأنصار في المجتمع الإسلامي الأول، هذا التشريع الإلهي الذي يتعلق بشيء مهم في حياة النساء، وهو الهيئة والزينة والثياب.
قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: {وليضربن بخمورهن على جيوبهن} شققن مروطهن (أكسية من صوف أوخز)، فاختمرن بها. رواه البخاري.
ويعلق د.القرضاوي: فيقول: (أجل...لم ينتظرن يوما أو يومين أو أكثر...وأضاف: لم يكن تأثير القرآن على الرجال وحدهم، بل كان تأثيره على الرجل و المرأة جميعا...) كيف نتعامل مع القرآن ص 48. .
وجلس بعض النساء يوما إلى أم المومنين عائشة، فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: {وليضربن بخمورهن على جيوبهن} فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وكل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه.
قال الله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} (الأنعام: 155).
ما الذي يحول بيننا وبين هذه البركة؟ ما الـذي صرفنا عن التماس رحمته؟
قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (المائدة: 15).
ووصف الله صحابة رسوله الذين شرفوا بالقرآن، وارتقوا به {واتبعوا النور الذي أنزل معه} (الأعـراف).
الكتاب بين أيدينا، والمطلوب حسن التلقي والتعامل، ليفجر الطاقات، ويجند القدرات، ويحفز الإرادات...يحدث فينا ثورة في العقل والتصور، وفي الوجدان والشعور، والعمل والسلوك كما أحدثه في الجيل الأول حين فتحوا له عقولهم وقلوبهم، فكانت أجهزة الاستقبال عندهم سليمة مهيأة لحسن التلقي، وكان الإرسال على أفضل ما يكون، فكانوا كما وصف الله عز وجل تأثير كتابه في الأنفس: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} (الزمر: 23).
والأمل بعد الله في من يشكلون خميرة النهوض في هذه الأمة، قال عليه السلام: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" متفق عليه.
قال: الذين يتشوق إليهم الرسول صلى الله عليه و سلم: "وددت أنا قد رأينا إخواننا" يقولون له: ألسنا إخوانك؟ قال : (أنتم أصحابي فمن هم الإخوان الذين يتطلع الرسول صلى الله عليه و سلم إلى أن يكونوا معه، ويحب أن ينظر إليهم؟ لا شك أنهم من كانت صفتهم عميقة استدرجوا الوحي بين جنوبهم حتى امتد واشتد. والحمد لله رب العالمين. العناصر:
الاستهلال: أبدى الصحابة رضي الله عنهم للتاريخ تجربة تحول عظمى , تحول بكل ما تقتضيه الكلمة من معان. تحول في الفكر والسلوك بعد التحول في الإيمان والاعتقاد, زما أعرف لهذا التحول سرا إلا ذلك الإيمان العميق بالقرآن كتاب هذاية ورشد من عند الله.
1- تعريف القرءان الناس بالقرءان
2- عالم ما قبل الإسلام أشبه ما يكون بعالم الحيوان في الغاب
3- الظلام تحول إلى نور
4- الصحابـة الكرام والقرآن الكريم
5- نماذج تطبيقية
مصدر فكرة: (كتاب: أثر القرآن على منهج التفكير النقدي عند ابن تيمية د. محمود السعيد الكردي).
1- تعريف القرءان الناس بالقرءان
عَرَّف القرآن بنفسه أول نزوله لأهل الأرض في عدة مواطن منه: قال تعالى: "وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ" (الأنعـام:و156155).
وقال تعالى: " قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " (سورة طه:123و 124).
وقال تعالى: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (المائدة: 15- 16).
وقال تعالى:"الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" (إبراهيم1- 2).
وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} (الشورى:52).
2- عالم ما قبل الإسلام أشبه ما يكون بعالم الحيوان في الغاب
عاش جيل الصحابة في ظروف لم تكن في ظاهرها صالحة على أن تجعل منهم ما آلوا إليه.
قال جعفر بن أبي طالب: "كنا قوما أهل جاهلية: نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف" (رجال حول الرسول ص 269).
وقول زهير:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم و من لا يظلم الناس يظلم
وقال عمرو بن أم كلثوم
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا
إذا بلغ الفطام منا رضيـــــــعا تخر له الجبابر ساجديـــنا
يهولك أنهم كمجتمع، لم يكونوا قد حققوا بعد الصفات اللازمة لقيام مجتمع ... قبائل متنافرة ... متصارعة... وكقوة لم يكونوا شيئا مذكورا... لم تكن لهم معايير للفضيلة، ولا موازين للأخلاق، ولا مقاييس للخير والشر.
3- الظلام تحول إلى نور
ما الذي حدث؟ الظلام تحول إلى نور...لا أصنام ولا أوثان..إنما الله إله واحد... الفوضى تتحول إلى نظام والضعف يتحول إلى قوة، والضياع يصير منعة... والمهانة تصبح عظمة... والجهالة تضحى معرفة... إنه القرآن..."وسر القرآن التوحيد" على حد تعبير الإمام ابن تيمية،
الصحابـة الكرام وهداية والقرآن الكريم:
أ- النبع الأول: قال سيد الظموشي السيوطي رحمه الله: "كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن، القرآن وحده، فما كان حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم وهديه إلا أثراً من آثار ذلك النبع".
لتصبح نفوسهم خالصة له وحده، ويستقيموا على منهجه،
تلهف وحرص الصحابة رضي الله عنهم علي تتبع الوحي
ومن هنا توثق الصحابة بالقرآن إلى درجة أنهم كانوا يتتبعون الوحي، بتلهف وحرص على الشموخ، في مدارج المعرفة بالله، والتوجه إليه سبحانه، ولم يكونوا يلتفتون إلى غير القرآن في تزكية نفوسهم، وتدينهم، حكى عمر قصة ارتباطه بالقرآن، فقال: (كان لي جار من الأنصار؟، فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فينزل يوما، فيأتي بخبر الوحي وغيره).
عن مسروق، قال: قال عبد الله ابن مسعود: (والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته).
وظلت هذه القلوب موصولة بنور الله، تحن إليه، وحسبنا التذكير بحديث أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر رضي الله عنه ، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم لعمر رضي الله عنه: (انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يزورها فلما انتهيا إليها، بكت: فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه و سلم ، فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه و سلم ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها) مسلم.
وما ذلك إلا استجابة لتوجيه القرآن الكريم نفسه: قال الله عز وجل: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}. وكان أبو بكر لارتباطه بالقرآن وحبه له لا يؤثر عليه شيئا فقد روت السيدة عائشة أنه لما اشتد به المرض تمثلت بقول حاتم:
لعمري ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليها الصديق كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}.
أما تفاعل عمر وتعلقه بالقرآن، فحدث ولا حرج، فهو الذي آمن لسماعه آيات من القرآن تتلى في بيت أخته فاطمة، كان رضي الله عنه إذا دخل بيته شهر المصحف فقرأ فيه...وكان رضي الله عنه إذا قابل أبا موسى الأشعري -وكان حسن الصوت- قال له ذكرنا ربنا- وفي رواية شوقنا إلى ربنا).
وربما وجد نفسه يحلق في مضمون الآيات فلا يملك نفسه من التأثر والبكاء، فعن عبد الله بن شداد قال سمعت نشيج عمر رضي الله عنه وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح وهو يقرأ سورة يوسف حتى بلغ : {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}.
إن القرآن الكريم، كان الباب المفتوح والمباشر الذي ولجه الصحابة الكرام إلى ملكوت الله، حيث صنعوا على عين الله، إنه السبب الوثيق الذي تعلقت به قلوبهم، وفي الحديث الصحيح: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" (رواه أحمد والترميذي).
حبهم للقرآن وارتباطهم به وتأثرهم لم يكن إلا ثمرة من الثمرات الناتجة عن الكيفية التي استقبلوا بها القرآن وتعاملوا معه.
ب- التلقي للتنفيذ: يقول سيد الموشي السيوطي رحمه الله: "إن الجيل الأول كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، والحياة التي يحيا هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان (الأمر اليومي) ليعمل به فور تلقيه ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة".
قال أبو عبد الرحمن السلمى: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه و سلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا).
وقال أنس: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد في أعيننا" (البخاري ومسلم). لأنهم أدركوا أن تلقيه دون تنفيذه تصبح آياته عليهم...
إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه: {ألا لعنة الله على الظالمين} وهو ظالم {ألا لعنة الله على الكاذبين} وهو منهم، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "أنزل القرآن ليعملوا به... وأضاف: إن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به".
وعن ابن عمر قال: "كان الفاضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم في صدر هذه الأمة، لا يحفظ من القرآن إلا السورة ونحوها ورزقوا العمل بالقرآن...".
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلمكم حتى تعملوا". ذكره القرطبي في مقدمة تفسيره ج1 (34-35).
نماذج واضحة لتأثير القرآن في أنفس الصحابة، كيف كانوا يتلقونه بعقولهم وقلوبهم وإرادتهم؟
النوذج الأول:
يبرز ذلك من تأثير سورة الزلزلة، وبخاصة الآيتين (7- 8) {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}.
عن أسماء رضي الله عنها قالت: بينما أبو بكر رضي الله عنه يتغذى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ، إذ نزلت هذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}، فأمسك أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله: أكل ما علمناه من سوء رأيناه؟ فقال " ما ترون مما تكرهون فذاك ما تجزون به، ويدخر الخير لأهله في الآخرة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء، وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: أنزلت: {إذا زلزلت الأرض زلزالها}، وأبو بكر رضي الله عنه قاعد فبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ما يبكيك يا أبا بكر؟ قال: تبكيني هذه السورة فقال صلى الله عليه و سلم: "لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم".
عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقرأ عليه: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}، فقال: حسبي، لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها).
وأخرج عبد بن حيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عائشة رضي الله عنها جاءها سائل فسأل، فأمرت له بثمرة، فقال قائل: يا أم المومنين إنكم لتصدقون بالثمرة؟ قالت: نعم والله...أو ليس فيه مثاقيل ذر كثير؟
نموذج ثاني:
آيــة: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (أل عمران: 92).
ذكر ابن كثير في تفسيره عن أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر الناس بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء)- اسم حديقة له- وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي صلى الله عليه و سلم يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} قال أبو طلحة: يا رسول الله! إن الله يقول : {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} وإن أحب أموالي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : "بخ بخ ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، (أحمد والشيخان كما ذكر المفسر)، وفي الصحيحين: أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله! لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال : حبس الأصل، وسبل الثمرة.
النموذج الثالث: موقف المسلمات الأول من تبرج الجاهلية,
{ وليضربن بخمورهن على جيوبهن} (النور: 31).
موقف النساء المسلمات الأول مما حرم الله عليهن من تبرج الجاهلية، وما أوجب عليهن من الاحتشام والتستر وهنا تروي لنا أم المومنين عائشة رضي الله عنها كيف استقبل نساء المهاجرين والأنصار في المجتمع الإسلامي الأول، هذا التشريع الإلهي الذي يتعلق بشيء مهم في حياة النساء، وهو الهيئة والزينة والثياب.
قالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: {وليضربن بخمورهن على جيوبهن} شققن مروطهن (أكسية من صوف أوخز)، فاختمرن بها. رواه البخاري.
ويعلق د.القرضاوي: فيقول: (أجل...لم ينتظرن يوما أو يومين أو أكثر...وأضاف: لم يكن تأثير القرآن على الرجال وحدهم، بل كان تأثيره على الرجل و المرأة جميعا...) كيف نتعامل مع القرآن ص 48. .
وجلس بعض النساء يوما إلى أم المومنين عائشة، فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: {وليضربن بخمورهن على جيوبهن} فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهن فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وكل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه.
قال الله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} (الأنعام: 155).
ما الذي يحول بيننا وبين هذه البركة؟ ما الـذي صرفنا عن التماس رحمته؟
قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} (المائدة: 15).
ووصف الله صحابة رسوله الذين شرفوا بالقرآن، وارتقوا به {واتبعوا النور الذي أنزل معه} (الأعـراف).
الكتاب بين أيدينا، والمطلوب حسن التلقي والتعامل، ليفجر الطاقات، ويجند القدرات، ويحفز الإرادات...يحدث فينا ثورة في العقل والتصور، وفي الوجدان والشعور، والعمل والسلوك كما أحدثه في الجيل الأول حين فتحوا له عقولهم وقلوبهم، فكانت أجهزة الاستقبال عندهم سليمة مهيأة لحسن التلقي، وكان الإرسال على أفضل ما يكون، فكانوا كما وصف الله عز وجل تأثير كتابه في الأنفس: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} (الزمر: 23).
والأمل بعد الله في من يشكلون خميرة النهوض في هذه الأمة، قال عليه السلام: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون" متفق عليه.
قال: الذين يتشوق إليهم الرسول صلى الله عليه و سلم: "وددت أنا قد رأينا إخواننا" يقولون له: ألسنا إخوانك؟ قال : (أنتم أصحابي فمن هم الإخوان الذين يتطلع الرسول صلى الله عليه و سلم إلى أن يكونوا معه، ويحب أن ينظر إليهم؟ لا شك أنهم من كانت صفتهم عميقة استدرجوا الوحي بين جنوبهم حتى امتد واشتد. والحمد لله رب العالمين. العناصر:
| < السابق | التالي > |
|---|








