قال الرسول صلى الله عليه وسلم " يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَبْقَى اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ " متفق عليه وعند مسلم " يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ , وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ " والمعنى قلب الشيخ شاب على حب هاتين الخصلتين وعلى منبر مكة خطب ابن الزبير فقال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ , إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلِيئًا ذَهَبًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا , وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا , وَأَنَّهُ لَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ , وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ " [متفق عليه] ولا يخفي أن فيه الحديث ذم الحرص على الدنيا وحب المكاثرة بها والرغبة فيها وأن ذلك ملهاة بل مهلكة للعبد ومشغلة له عن وظيفته فيما لا طائل من ورائه إلا بتحصيل أسبابه وليس الاستغراق فيها.
قال جل وعلا « أَلْهَاكُمُ التكاثر » قال ابن عطية : وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر، وقال البغوي: شغلتكم االمباهاة والمفاخرة والمكاثرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم من سخطه.
وروى عبد الله بن الشخير قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ : « أَلْهَاكُمُ التكاثر » ، قال : " يقول ابن آدم : مالي ، مالي ، قال : وهل لك ، يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت ؟ " [صحيح مسلم - كتاب الزهد والرقائق حديث:5370]
والحل الإسلامي لتخلص العبد من التشبث بالدنيا المقعدة عن العمل للآخرة هو "الزهد" و "الرغبة"
المتعدية بـ"عن" الدنيا فما حقيقة الزهد المأمور به شرعا؟
تعريف الزهد الزهد لغة: هو القلة في كل شيء، والشيء الزهيد هو القليل، والزهد ضد الرغبة، ففلان يزهد في الشيء أي يرغب عنه، فهو خلاف الرغبة. الزهد اصطلاحًا: ترك راحة الدنيا طلبًا لراحة الآخرة، وعرفه إمام الحرمين فقال: «خلو القلب مما ليس في اليد ».
ويتعلق الزهد بعدة أمور منها المال أو الجاه والسلطان أو الشكل والهيئة..
لكن الخطأ الشائع أن تصور الزاهد في صورة متقشف محروم من متع الدنيا وزينتها وقد ترجم البخاري في الصحيح فقال: باب قول الله تعالى : "قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ" وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا ، في غير إسراف ولا مخيلة " وقال ابن عباس : " كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك اثنتان : سرف ، أو مخيلة " [صحيح البخاري : كتاب اللباس] وقول ابن عباس [ أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه - كتاب اللباس والزينة من قال : البس ما شئت ما أخطأك سرف - حديث:24357 ] بلفظ " كل ما شئت والبس ما شئت ، ما أخطأتك خلتان : سرف أو مخيلة " والخلة : السمة والخصلة والصفة , والسرف: الإفراط ومجاوزة الحد.
فليس المراد من الزهد في المال رفضه، وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو " نعم المال الصالح مع الرجل الصالح " [صحيح ابن حبان والشعب للبيهقي]
وتطلع القلب وتعلقه بالمال يفسد صاحبه فيدفعه إلى الطغيان ويكون المال ( سواء كان في حوزة صاحبه أو يتطلع لحيازته) نقمة على صاحبه، يقول الله تعالى: " كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى " [سورة العلق:6،7].
قال الإمام القرافي رحمه الله في الفروق:
" اعْلَمْ أَنَّ الزُّهْدَ لَيْسَ عَدَمَ الْمَالِ بَلْ عَدَمُ احْتِفَالِ الْقَلْبِ بِالدُّنْيَا وَالْأَمْوَالِ فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ فَقَدْ يَكُونُ الزَّاهِدُ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَهُوَ زَاهِدٌ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَفِلٍ بِمَا فِي يَدِهِ ، وَبَذْلُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى
- أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ بَذْلِ الْفَلْسِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّدِيدُ الْفَقْرِ غَيْرَ زَاهِدٍ بَلْ فِي غَايَةِ الْحِرْصِ لِأَجْلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا "
قال ابن الحاج العبدري في المدخل: اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ فِي الزُّهْدِ عَلَى طَبَقَاتٍ فَمِنْهُمْ آخِذٌ ، وَهُوَ تَارِكٌ ، وَمِنْهُمْ تَارِكٌ ، وَهُوَ آخِذٌ ، وَإِنَّمَا يَحْمَدُ ، وَيَصِحُّ هَذَا الْأَمْرُ لِمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا ، وَزَهِدَ فِيهَا بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ مُصَلِّيًا نَائِمًا ، وَآخَرُ نَائِمًا مُصَلِّيًا ، وَمُفْطِرًا صَائِمًا ، وَصَائِمًا مُفْطِرًا ، وَكَاسِيًا عَارِيًّا ، وَعَارِيًّا كَاسِيًا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى تَصَرُّفِ إرَادَةِ الْقَلْبِ ، وَتَصْحِيحِ النِّيَّةِ ، وَفَسَادِ إرَادَةِ الْقَلْبِ ، وَفَسَادِ النِّيَّةِ ، وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْكَسْبِ الْخَبِيثِ ، وَالْقَوْلِ الْخَبِيثِ ، وَفِي هَذَا كَلَامٌ كَثِيرٌ إلَّا أَنَّ مَنْ صَدَقَ أَبْصَرَ ، وَتَحَقَّقَ ذَلِكَ. ا.هـ
ومعنى كلامه أن من الناس من يملك الدنيا ويزهد فيها ومن الناس من يبيت على الطوى وقلبه موحول فيها. كما يمكن أن يكابد العبد قيام الليل وهو على غير الجادة فيكون النائم المستقيم على أمر ربه أفضل منه." عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، ورب قائم
حظه من قيامه السهر " [مسند أحمد بن حنبل من مسند بني هاشم مسند أبي هريرة رضي الله عنه - حديث:8675]
صلاح العبد فيما أقامه الله فيه
قال عز وجل "وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ" (سورة الشورى: 27)
قال الإمام البغوي في تفسيره رحمه الله :{ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ } قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنيناها فأنزل الله عز وجل هذه الآية "ولو بسط الله الرزق" وسع الله الرزق { لِعِبَادِهِ } { لَبَغَوْا } لطغوا وعتوا، { فِي الأرْضِ } قال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبًا بعد مركب وملبسًا بعد ملبس. { وَلَكِنْ يُنزلُ } أرزاقهم { بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ } كما يشاء نظرا منه لعباده، { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } .
العلاج النبوي للتطلع:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ , وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ , فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ " [شعب الإيمان للبيهقي :فصل فيما يقول العاطس في جواب التشميت : الحادي والسبعون من شعب الإيمان وهو باب في الزهد وقصر الأمل حديث:9883 ]
وليعلم العبد أن لا يصيبه إلا ما كتب الله له ولم نسمع على عبد مات جوعا " مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ , وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ " [متفق عليه]
عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا وقد نهيتكم عنه ، وإنه ليس من شيء يدنيكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به ، وإن الروح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى يستوفى رزقها ، فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله عز وجل ، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته " [ أمالي ابن مردويه حديث:24 ]
إسماعيل محمد رفعت
مسجد الرحمة مدينة دارمشتات
الجمعة 10ربيع الآخر 1431هـ = 26 مارس 2010م
| < السابق | التالي > |
|---|








