1- من الآيات التي تقطع بأن السنة وحي من عند الله - تعالى - محفوظ , وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق فيما يتصل بالتشريع إلا بما يوحي الله - تعالى - إليه، قوله - سبحانه - في شأن رسوله - صلى الله عليه وسلم: { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } [الحاقة:44-47 ]
هذه الآيات اشتملت على ثلاثة أمور:
1- وعيد شديد
2- وعد أكيد
3- شهادة صدق للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
أما الوعيد الشديد: فللنبي صلى الله عليه وسلم بصفته المبلغ عن الله جل شأنه أن لا يتقول على ربه وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل ذلك –. وإذا تأكد الوعيد في حق الرسول صلوات الله وسلامه عليه مع عظيم قدره فهو في حق غير الرسول أشد توكيدا, وهو يطال كل من تجرأ على التقول على المولى - جل وعز – أو التقول على رسوله الكريم عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم .
وهي شهادة ضمنية للرسول صلى الله عليه وسلم بالصدق من جهة دلالتها بوضوح على أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يقول شيئًا - فيما يتصل بالدين - إلا بما يوحي إليه الله به. فحيث إن الله - تعالى - لم يهلك نبيه، فلم يأخذ منه باليمين، ولم يقطع منه الوتين - نياط القلب - بل سانده وأعانه، وأيده ونصره، وأظهره على أعدائه هو وأصحابه الذين آمنوا به واتبعوه، فإن ذلك دليل قاطع على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل أو يفعل أو يقر شيئًا إلا بوحي من الله -
سبحانه وتعالى-
والوعد للمؤمنين: أن الله سيحفظ عليهم مصادر التشريع من قرآن وسنة , وإن كان قد صرح في سورة الحجر بحفظ القرآن " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " [سورة الحجر: 9] فآية سورة الحجر هذه ضميمتها آيات سورة الحاقة محل الإستشهاد. فالسنة محفوظة بحفظ الله لها كالقرآن لا كما يدعي البعض أن القرآن فقط هو المحفوظ , وإنما كان حفظ السنة بتقييض الله تعالى رجالا لها يقومون على صيانتها وذلك ماض في كل جيل ومعلوم مشاهد
ففي حديث معان بن رفاعة ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين" (1)
وربما يسأل سائل فيقول إن الوعيد الشديد المذكور لا يتناسب وشرف الرسالة, خاصة أن ما ناله بعض الوضاعين ويستحقوه قليل مع وضاعتهم وحطة قدرهم بداية فما بال هذه الشدة في حق حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم؟
نقول هذا غير مستغرب بالنسبة لمن أنزله الله منزلة كبيرة وأحسن إليه, حتى أنك تجد في القرآن الكريم مثلا "وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " [سورة الإسراء:74و75]
وقال لأمهات المؤمنين:" يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا " [سورة الأحزاب:30] وذلك لأن المحسن إليه لا يسو بينه وبين من هو دونه في الإحسان حتى في العقاب.. كفانا الله الزلل.
قال العز بن عبد السلام : ولو سب الوزير الملك بمسبة سبه بها السائس لاستحق العذاب الأليم، ولم يسو بينه وبين السائس لأجل الإنعام عليه، والإحسان إليه. وهذا غير مستغرب على القرآن الكريم فمن كان في مقام الإحسان يختلف عقابه عن غيره.
إذا فالسنة وعد الله بحفظها كما وعد بحفظ القرآن فقيض لها رجالايحفظونها , نعم وضعت الزنادقة جملا من الأحاديث يفسدون بها الدين فبين جهابذة الحديث ونقاده أمرها ولله الحمد, وفضحهم الله تعالى وعاقبهم على صنيعهم, منهم مثلا:
عبد الكريم بن ابي العوجاء الذي قتل وصلب في زمن الخليفة المهدي قال ابن عدي في الكامل لما أخذ ليضرب عنقه قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام.
وبيان بن سمعان النهدي الذي قتله خالد القسري وأحرقه بالنار
ومحمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة الذي روى عن حميد عن أنس مرفوعا أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" ثم دس زيادة من عنده: إلا أن يشاء الله وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي " [انظر تدريب الراوي للسيوطي]
يقول الشيخ عبد الله الجديع " وهذا سبب ظن بعض الطاعنين على السنة أن أئمة الحديث غفلوا عنه .وواقع الأمر أن حقيقة هؤلاء كانت مشهورة ، وأباطيلهم كانت مكشوفة ، ومن عرف مبلغ التثبت الذي أُصلت عليه قوانين النقد في الحديث ، والتي لا تمرر يسير الوهم من الثقة الحافظ ؛ علم أن أمثال هؤلاء المغرضين لم يكونوا ليقدروا على إفساد سنة النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة دون أن يقيض الله لهم من أنصار دينه من يظهر حقيقة أمرهم .كما قيل لعبد الله بن المبارك : هذه الأحاديث المصنوعة ؟ قال : " يعيش لها الجهابذة " [تحرير مصطلح الحديث للجديع] .
ومن الآيات التي تدل على أن السنة وحي ومحض اتباع من النبي صلوات الله وسلامه عليه لربه عز شأنه قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15].
هذا وقد أخبر الرسول عن نفسه أن كا ما يصدر عنه حق سواء القول فيه والفعل والتقريرفعن عبد الله بن عمرو ، قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه ، فنهتني قريش وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب ، والرضا ، فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بأصبعه إلى فيه ، فقال : " اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ". [حديث صحيح رواه أبو داود في سننه - كتاب العلم باب في كتاب العلم - حديث:3179]
وإذا كان هذا الحديث يخبرعن حاله الشريف صلى الله عليه وسلم في الغضب والرضا فهاك حديثا آخر تدل على حاله الشريف في المداعبة والممازحه, عن أبي هريرة قال : قالوا: يا رسول الله ، إنك تداعبنا ، قال : " إني لا أقول إلا حقا " [ حديث صحيح في سنن الترمذي الجامع الصحيح كتاب الذبائح , أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في المزاح حديث:1961]
قال ابن حزم رحمه الله "وأنه عليه السلام كان يُسأل عن الشئ فينتظر الوحي ويقول: ما أنزل علي في هذا شئ ذكر ذلك في حديث في زكاة الحمير وميراث البنتين مع العم والزوجة وفي أحاديث جملة" [الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم]
لمزيد فائدة حول الموضوع راجع أيضا: السنة ومكانتها من التشريع. د. مصطفى السباعي: 50. وكتاب شبهات القرآنيين حول السنة النبوية لشيخنا الدكتور محمود مزروعة.
كتبه الشيخ إسماعيل محمد رفعت
التاريخ :6صفر 1431هـ = 22 يناير 2010م
المكان : مسجد الرحمة بمدينة دارمشتات
-----------------------------------------------------------
(2) الحديث أخرجه جماعة كبيرة منهم الآجري في الشريعة وابن بطة في الإبانة والبيهقي في السنن والطبراني في مسند الشاميين وغيرهم كثير ومداره على إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال عنه ابن حجر في لسان الميزان تابعي مقل ما علمته واهيا أرسل حديث يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله رواه غير واحد عن معان بن رفاعة ومعان ليس بعمدة ولا سيما أتى بواحد لا يدري من هو انتهى وحديثه قد رواه ابن عدي في الكامل من رواية الوليد بن مسلم عن معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن ثنا الثقة من أشياخنا فذكره وقال مهنا قلت لأحمد حديث معان بن رفاعة كأنه كلام موضوع قال لا بل هو صحيح وذكره ابن حبان في الثقات وقال يروي المراسيل وروى حديثه من طريق حماد بن زيد عن بقية عن معان عنه
| < السابق | التالي > |
|---|








