كل فكرة لا يصحبها مجاهدة فهي في طريقها إلى الاضمحلال والذوبان والزوال، يقول الله جل وعلا: { وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت:69] .
قال البصيري رحمه الله:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطمِ
فجاهد النفس والشيطان واعصهما وإن هما محَّضاك النصح فاتهمِ
أ- تفاوت الهمم في المجاهدة:
والناس تتفاوت في تزكيتها لأنفسها بحسب شعورها بالمخاوف التي تحيط بأهدافها, فإن استشعار المؤمن أن الجنة محفوفة بالمكاره يتطلب منه طاقة عالية متمثلة في هِمَّة عالية تتناسب مع ذلك المطلب العالي؛ للتغلب على تلك المكاره التي حفَّت بذلك المطلب العالي، ألا وهو الجنة -نسأل الله من فضله- مع تنقية تلك الهمم من كل شائبة تدفع لوجه غير وجه الله عز وجل، وإنما تفاوت الناس بالهِمَم لا بالصور، والله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
1- ثابت البناني عليه رحمة الله يقول: تعذبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة أخرى، والله إني لأدخل في الصلاة فأحمل همَّ خروجي منها. ولا شك -والله- أن هذا نتيجة مجاهدة وصل بها إلى الهداية من الله جل وعلا.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أرحنا بها" ( ) وأصبح الناس اليوم يقولون أرحنا منها
2- ويقال للإمام أحمد : يا إمام! متى الراحة؟ فيقول -وهو يدعو إلى المجاهدة-: الراحة عند أول قدم تضعها في الجنة .
إنها الراحة الأبدية التي يُستعذَب كل صعب في سبيل الوصول إليها.
بـ - أعظم المجاهدة
أعظم المجاهدة مجاهدة النيات: فـ { إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى } والعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير صدق هباء: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثُوراً } [الفرقان:23] .
" وعن ثوبان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا ، فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا " ، قال ثوبان : يا رسول الله صفهم لنا ، جلهم لنا أن لا نكون منهم ، ونحن لا نعلم ، قال : " أما إنهم إخوانكم ، ومن جلدتكم ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها "
يأتي أناس يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباءً منثوراً، مع أنهم كانوا يصلون مع المصلين، ويصومون مع الصائمين، ولهم من الليل مثل ما للمصلين وما للمخلصين، لكنهم إذا خلَوْا بمحارم الله انتهكوها؛ أمام الناس عُبَّاد زُهَّاد نُسَّاك، لكن إذا خلَوا ظنوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون؛ فالنيةَ النية! " وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)" [سورة فصلت ]
وها هو صلى الله عليه وسلم يتجه إلى تبوك من المدينة بجيش قوامه ثلاثون ألفاً في صحاري يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، وقت عسرة ووقت شدة حرٌّ ودنوّ ثمار في المدينة ، ومشقة عظيمة في سفرهم بلغت فوق ما يتكلم المتكلمون، حتى إن عمر رضي الله عنه ليقول: [ لقد أصابنا عطش شديد حتى ظننَّا أن رقابنا ستتقطع من شدة العطش، حتى إن الرجل لينزل عن بعيره فينحره، فيعتصر فرثه ثم يشربه ] هذا بعض الحال.
وعندما قفلوا راجعين منصورين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا التعب العظيم: { إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً، ولا وطئتم موطئاً يغيظ الكفار إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر قالوا: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم وهم بـ المدينة ؟! قال: نعم، وهم بـ المدينة } إنهم -ولاشك- أقوام حسَّنوا نيَّاتهم.
جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : يا رسول الله! زادٌ وراحلة، لا نملك ذلك، فيقول صلى الله عليه وسلم: { لا زاد ولا راحلة } { تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } [التوبة:92] فبحسن النية بلغوا ما بلغ أولئك الذين سمعتم بعض ما حصل لهم.
ولذلك يقول الإمام أحمد موصياً ابنه: يا بني! انوِ الخير؛ فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير، فالنية النية، والإخلاص الإخلاص؛ فهي من أهم عوامل بناء النفس وتزكيتها، وكل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.
ألقيت بمسجد الرحمة بمدينة دارمشتات ألمانيا .. الشيخ إسماعيل محمد رفعت
| < السابق | التالي > |
|---|









تعليقات
نحبك في الله
نشرة RSS لهذا التعليق